هل بلغت أحزاب المغرب مرحلة الشيخوخة؟
هل بلغت أحزاب المغرب مرحلة الشيخوخة؟

حددت المنظومة التشريعية المغربية تعريف ومهام الأحزاب السياسية فـــي الفصل السابع مـــن الدّستور والمادّة الثانية مـــن قانون الأحزاب، فقدّمتها بوصفها مجموعة مـــن الأطر التي تعمل على تأطير المُواطنين والمواطنات وتكوينهم سياسيًا بهدف تشجيعهم على متابعة الشأن العام وتعزيز انخراطهم فـــي تدبير أمور الدّولة ومُؤسساتها، بالإضافة لتعبيرها -الأحزاب-  عن إرادة منخرطيها و ناخبيها.

ورغم مساحات الفعل السياسي التي منحتها لها التعديلات الدّستورية لسنة 2011 والتي فرضها حراك 20 فبراير، لم تقدر الأحزاب المغربية على تعبئة السواد الأعظم مـــن المغاربة للمشاركة الدّنيا فـــي الشأن السياسي، إذ كانت الأغلبية الصّامتة، هي الفائز الأكبر فـــي الانتخابات التشريعية الأخيرة المنعقدة فـــي 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، فمن ضمن 15 مليون مغربي مسجل فـــي اللوائح الانتخابية لم يذهب إلى صناديق الاقتراع سوى 6 ملايين شخص أما الذين قاطعوا الانتخابات مـــن أوضح المسجلين وغير المسجلين فقد تجاوز عددهم 20 مليونًا.

ولم يكن مؤشر المشاركة فـــي العملية الانتخابية معزولًا عن سياق المشهد السياسي والاجتماعي فـــي المغرب، فلم تكد تمضي سوى بعض الأيام حتى اندلعت حركات احتجاجية على خلفية حادثة مقتل بائع السمك الشهيرة، والتي عرفت إعلاميًّا بحراك الريف أو حراك الحسيمة، لتستمر أشهرًا طويلة دون أن تقدر الأحزاب السياسية المغربية على لعب دور الوساطة أوضح عامة الناس والسلطة.

Embed from Getty Images
احتجاجات الحسيمة تخرج عن السيطرة

اقرأ أيضًا: الملك وحراك الريف.. مأزق دون حلول

أسباب فشل الأحزاب فـــي تأطير حراك الريف

فـــي تحليله لأسباب عجز الأحزاب السياسية المغربية عن تأطير الحراك فـــي الريف ولعب دور الوساطة أوضح المُحتجّين والسلطة، أرجع ميلود بلقاضي، المحلل السياسي والأستاذ بجامعة الحسن الثاني، ذلك إلى 5 نقاط أساسية:

1- انهيار الوسائط الاجتماعية التقليدية

والمقصود هنا هو الأحزاب والنقابات على حد السّواء، وهو ما أصبح، بحسب بلقاضي، مـــن المعطيات الأساسية التي يجب اعتمادها باعتبارها حقيقة سوسيولوجية ثابتة بناء على كل الاحتجاجات الشعبية الماضية. هذا الانهيار مرده الطابع العتيق للمقاربات التنظيمية لدى هذه الأحزاب والذي جعلها غير قادرة على استيعاب الشرائح العمرية الجديدة والفئات الشعبية غير المتحزّبة.

2- ضعف الأداء وغياب الاستباق

حتى تلعب الأحزاب السياسية الدور المنوط بعهدتها، تحتاج أن يكون مستوى المصداقية والثقة فيها مرتفع عند الناس، وهو ما لا يُمكن تحصيله إلا متى تم تجويد الأداء وشعر الناس بـــأن هذه الأحزاب ترعى مصالحهم، وتحتاج أيضًا أن يكون لها نظرة استباقية حول المزاج الشعبي العام بالشكل الذي يساعدها على احتواء أي حراك شعبي قبل أن يخرج عن السيطرة.

3- فشل التواصل مع جيل الألفية

كما هو الحال فـــي أغلب دول العالم، يشكّل مواليد ما بعد سنة 1982 أو ما يُسمّى اليوم بجيل الألفية (Generation Y) العمود الفقري للكتلة المحتجّة ذات المطلبية العالية. وبالنّظر لعدم نجاح الأحزاب فـــي التواصل مع هذه الفئة العمرية؛ يكون التعامل مع انفعالاتها أمرًا شبه مُستحيل.

4- طغيان الأيديولوجيا وضعف سياسة القرب

وفق ذات المرجع؛ لم تفلح الأحزاب السياسية فـــي المغرب فـــي تخفيف منسوب الأيديولوجيا فـــي خطابها وفعلها السياسي، وهو مـــن أحد العوامل المُنفّرة باعتبار أن السواد الأعظم مـــن النّاس هم كائنات غير متأدلجة، بل غير قابلة للأدلجة. وبالإضافة لما سبق، ظلّ الفعل السياسي محكومًا بالنّخبويّة ولم تنجح القيادات الحزبية المحلّية فـــي الاقتراب مـــن عموم الشعب المغربي، وهو ما خلق هوّة أوضح الرّمز السياسي والمواطن العادي.

5- ضعف سنة التّداول والتجديد

تمر مختلف الأحزاب السياسية بمراحل صعود ونزول وفق ما يفرضه الواقع السياسي والاجتماعي، ولذلك يُصبح تغيير الوجوه المتصدّرة والممثلة لها -التي عادة ما تتعرّض للتهرئة السياسية مع مرور الوقت- ضروريًّا حتى يتواصل إشعاعها، وهو الأمر الذي لا تشهده الأحزاب المغربية التي يبقى نسق التجديد فيها ضعيفًا أو منعدمًا.

مؤتمرات الأحزاب تزيد فـــي جراح الأحزاب

وفي الوقت الذي تتفاقم فيه  أزمة الأحزاب السياسية فـــي المغرب وتعدّد التصريحات والتلميحات الغاضبة مـــن أدائها وفاعليتها، وكان آخرها على لسان الملك، محمد السادس، زادت أجواء المُؤتمرات الطّين بلّة لما سبّبته مـــن تجاذب أغرقها فـــي مشاكلها الدّاخلية.

الاستقلال.. ومؤتمر الصحون الطائرة

خلال أشغال المؤتمر العام السابع عشر لحزب الاستقلال، وهو مـــن أعرق وأكبر الأحزاب المغربية، اندلعت مواجهات عنيفة بالكراسي والصحون أوضح أنصار حميد شباط، الأمين العام المنتهية ولايته وأنصار نزار بركة، المرشح الحالي لمنصب الأمين العام.

وتحولت القاعة المخصصة لتناول وجبة العشاء فـــي المركب الرياضي للأمير مولاي عبد الله بالعاصمة المغربية الرباط، مساء الجمعة 29 سبتمبر (أيلول)، إلى ساحة عنف متبادل تطايرت فيها الصّحون واستُعملت فيها الكراسي أسلحة للتعنيف وهو ما أسفر عن إصابة عدد مـــن المُؤتمرين.

فيديو لأحداث العنف التي شهدها مُؤتمر حزب الاستقلال

وتفاعل المغاربة مع هذه الحادثة بمزيج مـــن السخرية والغضب عبر هاشتاج #الصحون_الطائرة:

facebook facebook

وفي مُحاولة لتخفيف حَدَثَ هذه الحادثة، نشر الناطق الرسمي لحزب الاستقلال، عادل بنحمزة، تدوينة على صفحته الرسمية فـــي فيسبوك، اعتذر فيها عما حَدَثَ، مؤكّدا أن ما حصل أمر مخجل ولا يُشرِّف الاستقلاليات والاستقلاليين، وهو أمر مرفوض أياً كانت أسبابه ومبرراته، وفق تعبيره.

وأضاف: «باسمي الشخصي، وباسم كافة الاستقلاليات والاستقلاليين، أعتذر عن المشاهد الصادمة التي أنتجتها سلوكات غير مسؤولة، أزعجت بابتذالها كثيرًا ممن يختلفون مع حزب الاستقلال، لكنهم يريدونه قويًا وموحدًا، لأنه ليس ملكًا لمناضلاته ومناضليه فقط، بل هو ملك لكافة المغاربة على اختلاف انتماءاتهم السياسية واختياراتهم الأيديولوجية».

ودفع ارتفاع منسوب التشنّج أوضح أنصار المُرشّحين لقيادة الحزب رئيس المؤتمر الوطني الـ17 لحزب الاستقلال، نور الدين مضيان، إلى رفع أشغاله، وتأجيل انتخاب الأمين العام إلى السابع مـــن أكتوبر (تشرين الثاني) الجاري.

العدالة والتنمية ومعركة الولاية الثالثة

حزب العدالة والتنمية والذي يستعد بدوره لعقد مُؤتمره الثامن فـــي نهاية شهر ديسمبر (كانون الثاني) القادم، لم تُخف بعض قياداته خوفها مـــن أن تمسهم عدوى «البلطجة» الحزبية.

فـــي هذا الإطار، قال عضو المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، حسن حمورو، أن العراك بالكراسي والصحون الذي شهده مؤتمر الاستقلال ليلة أمس يطرح أسئلة حول ما إذا كانت قيادة «البيجيدي» قادرة على «مواصلة السير على طريق غير الذي سلكه الاستقلاليون، أم أن مصير البيجيدي سيكون هو مصيرهم».

وأضاف حمورو فـــي تصريح لصحيفة «اليوم 24»: «إذا كانت قيادة البيجيدي غير قادرة على مواصلة السير على غير طريق الاستقلاليين، كما ظهر ليلة أمس، فإن مغادرة الحزب مـــن الآن هي الحل». مـــن جهته؛ حذّر عضو الأمانة العامة للعدالة والتنمية، عبد العالي حامي الدين، مـــن مغبّة تسرب ما أسماه «منطق الطائفة إلى التنظيمات ولغة المصالح الخاصة».

وقال فـــي مقال تحليلي حمل عنوان «جدل الفكرة والتنظيم» إن تسرب منطق الطائفة إلى التنظيم يضع الأخير أمام صعوبات كبيرة فـــي التفاعل مع مطالب المجتمع، ويجعله غير قادر على الوعي بالتحولات التي يشهدها، باعتبار أن هذا المنطق يعيش نوعًا مـــن التعالي على المجتمع، الأمر الذي يدفعه إلى «إنكار الواقع فـــي كثير مـــن الأحيان»، وفق تعبيره.

وفي إشارة إلى التّجاذبات الدّاخلية التي يشهدها حزبه، أضاف فـــي ذات النّص: «حينما يتسرب منطق الطائفة إلى التنظيم، يصبح عاجزًا عن الاعتراف حتى بالتحولات التي تجري داخله، أو بالاختلافات الطبيعية التي يمكن أن تحصل داخله أو أوضح بعض قياداته، ويبحث لها دائمًا عن تفسير خارجي، وينسى أن التنظيم فـــي أصله هو تعبير عن فكرة إصلاحية يحتضنها المجتمع، وليس فئة طائفية أو مجموعة مصالح منشغلة بتدبير منافعها الذاتية».

يُذكر أن حزب العدالة والتنمية يشهد منذ إعفاء بن كيران وتكليف العثماني برئاسة الحكومة تجاذبًا حادًا أوضح أنصارهما، ومن المنتظر أن يشهد المُؤتمر القادم الحسم فـــي عديد النّقاط الخلافية وأهمّها تغيير القانون الدّاخلي مـــن عدمه والذي يحتاجه بن كيران ليواصل قيادته للبيجيدي على رأس الأمانة العامّة، بالإضافة إلى سياسات الحكومة التي يقودها الحزب فـــي شخص رئيسها ووزراء الحزب.

اقرأ أيضًا: إسلاميو المغرب على المحك.. هل تعصف الخلافات الداخلية بالعدالة والتنمية المغربي؟

البام بعد استقالة العماري

ويشهد حزب الأصالة والمعاصرة (البام)، الذي حلّ ثانيًا فـــي الانتخابات التشريعية الأخيرة وخيّر المعارضة، أزمة داخلية عميقة خاصّة إثر تقديم أمينه العام، إلياس العماري، استقالته مـــن منصبه بعد تصاعد الأصوات المطالبة بتصحيح مسار الحزب.

العماري الذي فاجأ الرأي العام السياسي المغربي بهذا القرار فـــي أغسطس (آب) الماضي، صرّح بـــأن قراره لم يكن وليد تلك اللحظة وإنما أتى بعد طول تفكير، مُشيرًا إلى مُساهمة قصور أداء المنتخبين وبرلمانيي الحزب الذين تعددت غياباتهم عن جلسات البرلمان ولجانه.

كلمة العماري خلال ندوة صحفية للحديث عن استقالته

ورغم أن الاستقالة لم يتم البت فيها بعد، أشارت تقارير صحفية إلى أن هذه الاستقالة ستدفع بصراع الخلافة إلى حده الأقصى أوضح أهم رافدين داخل الحزب وهما رافد الأعيان والرافد اليساري، ففي الوقت الذي يطالب فيه أنصار العماري بعدم قبول الاستقالة، يطالب خصومه مـــن داخل الحزب بضرورة طي صفحته وإعادة النّظر فـــي دواليب إدارة الحزب وسياساته ورؤاه.

وفي انتظار عقد المجلس الوطني لحزب «الأصالة والمعاصرة»، يتواصل تباين الرؤى أوضح تيارات الحزب وقيادييه، إذ دعا العديد منهم إلى رفض استقالة العماري، فيما يؤكد آخرون أن برلمان الحزب ليس مخولًا قانونيًا للنظر فـــي الاستقالة، كما ظهرت أصوات أخرى تدعو إلى عدم تنظيم الاجتماع، والإبقاء على الحبيب بلكوش، الذي يقود الحزب مؤقتًا، أمينًا عامًا للحزب.

للأحزاب أيضًا نصيب مـــن التذبذب

وفي الوقت الذي تتصاعد فيه الدّعوات لتعديل الدستور المغربي والمواد التي تُحدّد النّظام السياسي مـــن مختلف التيارات السياسية، تتضافر كل الأحداث والمُعطيات التي وردت أعلاه لتثبت أن للأحزاب أيضًا نصيب فـــي حالة التذبذب الذي يشهده المشهد العام فـــي المغرب.

الثورات والتغيرات السياسية التي مسّت المنطقة ساهمت فـــي تعلية سقف انتظارات الشعوب. ورغم أن التحوّل فـــي المغرب كـــان الأقل كلفة مُقارنة بباقي التجارب، تواصلت الصّعوبات الاقتصادية، وهو ما أجج حراك الريف وما يبقي فرضيات الانـــفجار الاجتماعي دائمًا قائمة.

وفي ظلّ هذه الصّعوبات، تحتاج الأحزاب المغربية أن تُرمّم أوضاعها الدّاخلية بداية، ثم أن تتخفّف مـــن صراعها الأيديولوجي حتى تصب كل اهتمامها فـــي معالجة هذه المشاكل بما ينعكس إيجابيًّا على معيشة المواطنين. وفي حال تواصل الأمر على ما هو عليه، قد ينتج الهامش الاجتماعي زعاماته التي ستزيح أحزاب المغرب مُعلنة بلوغها مرحلة الشيخوخة.

اقرأ ايضًا:

«ناصر الزفزافي».. عندما يحول حراك الريف المغربي البسطاء إلى قادة

المصدر : ساسة بوست