أوروبا وكابوس عودة الإرهابيين!
أوروبا وكابوس عودة الإرهابيين!

“قررنا مع البريطانيين المضي بعيداً وذلك عبر العمل منذ عدة أيام على خطة عمل ملموسة للغاية لمكافحة الإرهاب. إن الهدف مـــن إنشاء مركز وطني لمكافحة الإرهاب هو فك العزلة عن مختلف أجـــهزة المخابرات لكن ليس إحداث حلقة جديدة فـــي مستوى القرار”. الـــرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون.

الآن وبعد أحداث إسبانيا المروّعة، تتوجّس اليوم أوروبا خيفة مما عانته سوريا –ولا تزال طوال 6 سنوات-وتعانيه ليبيا ولبنان وباقي الأواني المستطرقة مـــن إرهاب معولم ومُوظّف!! يأتي على أخضر ويابس، هذه صحيفة الأوبزوفر، The Observer، تسلّط الضوء مـــن خلال مقال لمارتن شلوف، Martin Chulov، تحت عنوان “المئات مـــن جهادي تنظيم الدولة العائدون يشكلون تهديداً على أبواب أوروبا”!

شلوف كتب أنه “فـــي الوقت الذي تكثّف فيه الجهود للعثور على عناصر الخلية المغربية المسؤولة على الهجمات الإرهابية فـــي إسبانيا، فإن الأنظار تتّجه صوب المئات مـــن الجهاديين العائدين مـــن أرض معركة تنظيم الدولة الذين يشكلون تهديداً كبيراً على أبواب أوروبا”!! مشدّدا على أنه ” ُيعتقد أن هناك نحو ألف جهادي تم تهريبهم إلى المغرب وتونس ونقلهم مـــن المعارك التي يخوضها التنظيم لتأسيس دولة الخلافة”!

الأمنيزيا أو حالة الانكار تنتاب الأوروبيين حين ينسون أنّ هؤلاء هم تماما –وقبل أن يصيروا محترفي قتل واجرام- مـــن كانوا يمرّون مـــن تركيا بكل تيسير وغض طرف!!! ويخرجون مـــن مطاراتها وموانئها دون عناء أو حتى مساءلة!

ونقلا عن قائد ســـابق فـــي التنظيم، أفاد شلوف أن “مقاتلي تنظيم داعش الذين اضطروا للعودة لبلادهم بسبب خسارة التنظيم للأراضي التي كـــان يسيطر عليها يوماً بعد يوم، يحملون فـــي قلوبهم ضغينة تجاه وضعهم فـــي أوروبا”! مؤكدا أن ” نحو 1600 مغربي انضموا لتنظيم داعش الأمر الذي جعلهم مـــن أكثر الجنسيات التحاقاً بالتنظيم، وقد قتل نصفهم تقريبا”!

يعود صاحب المقال إلى موضوع الانتماء والتمييز الذي يمارس ضد بعضهم، أ هذا يبرّر ويفسر كل الحالات وحجم مـــن غادر أو سمح لـــه أن يغادر ما دامت نيرانه أو إرهابه سيؤذي فقط السوريين!!

“ظاهرة الذئاب المنفردة” لا تعكس فقط مدى التخبّط الأمني الأوروبي بل عقم المقاربة حتى لا نقول المقاربات الأمنية والعسكرية والاستراتيجية لظاهرة كونية تختلف حولها الأجندات وتتضارب داخل الحلف الواحد!

أ ليس منسق الاتحاد الأوربي لمكافحة الإرهاب جيل دي كيرشوف، Gilles de Kerchove، وليس غيره مـــن يؤكد أمام البرلمان الأوروبي أن “هناك تبادلا مهما للمعلومات أوضح الدول الأعضاء، يحدث خارج الإطار المؤسسي للاتحاد الأوروبي، وأن مواجهة الإرهاب أعقد بكثير مـــن مجرد تبادل المعلومات”؟

ماذا يعني أن دراسة جديدة صادرة عن مركز أبحاث الأمـــن القوميّ الإسرائيليّ، ونقلتها إلى العربيّة مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة، تخلص إلى أنّ “السنوات الأخيرة شهدت ارتفاعًا فـــي الطلب الأوروبيّ على وسائل قتال مـــن أنواع مختلفة بسبب التحديات الأمنية الكبيرة التي واجهتها القارة، وأدّى هذا الاتجاه إلى ارتفاع كبير فـــي التصدير الأمني مـــن إسرائيل إلى دول أوروبا، ومن المتوقّع أنْ يزداد هذا فـــي السنوات المقبلة، خاصة إلى دول أوروبا الشرقية”؟

ماذا يعني أن “يتضاعف حجم الصفقات الأمنية مع إسرائيل مـــن 724 مليون دولار فـــي العام 2014 إلى 1.6 مليار دولار فـــي 2015؟ ويستمر هذا الاتجاه فـــي سنة 2016 بحيث يصل حجم صفقات التصدير إلى دول أوروبا إلى 1.8 مليار دولار، مما يفوق التصدير إلى دول أمريكا الشمالية؟ كيف وبين عشية وضحاها ومحض الصدفة أن يزوّد الكيان “دولاً مختلفة بأجوبة تكنولوجية لمعالجة التسلّل، ومحاربة الإرهاب، والدفاع السيبراني الذي تحوّلت وسائله إلى عروض مجموعة أسلحة مهمة أكثر فأكثر فـــي ترسانة شركات إسرائيلية”؟

أ لا يثير ذلك حفيظة أحدهم فيسّاءل أم هي شماعة “نظرية المؤامرة” الجاهزة أبدا لتسفيه مجرّد طرح الأسئلة؟ كيف تنظر روسيــــا إلى هذا التمدد الصهيوني؟ أم أن توصية “مراعاة شيء مـــن السرية فـــي التجارة الأمنية مع دول أوروبا الغربية، فـــي ضوء تراجع مكانة إسرائيل العامّة فـــي هذه الدول”، تدخل فـــي هذا الإطار؟

فـــي الأثناء يواصل أبرياء أوروبا مـــن المواطنين دفع ثمن سياسات رعناء ونشر للفوضى “غير الخلاقة” التي كثيرا ما كنا نحذّر مـــن أنها يوم تخرج مـــن سوريا ستكون وبالا على الجميع! ولن توفر أحدهم؟ أو هكذا أريد لها تخبط خبط العشواء!!! ويواصل تجار الأسلحة والمقاربات الأمنية وتفريق الشعوب لعبتهم القذرة، ويستمر التقتيل فـــي حصد أرواح الأبرياء ويظلّ دين الرحمة مخطوفا مـــن قبل “مكنات” و”روبوتات” تقتيل أعمى لا علاقة لهم لا بدين ولا قضية ولا حتى مبدأ!!

لقد أضحى عاجلا، حتى لا نقول مصيريا، أن يعترف الأوروبيون أن مقارباتهم واستراتيجياتهم الأمنية منها والاستخباراتية والعسكرية تحتاج إلى مراجعات ومصارحة ومكاشفة شجاعة تتجاوز مجرّد التعاطف إلى تحديد مـــن لـــه المصلحة الحقيقية فـــي نشوء وتخليق وترك هذا المارد يخرج مـــن قمقمه مع العلم سلفا أنه سيحدث مخاطر تتجاوز “الأعراض الجانبية” التي يمكن التعايش معها أو تكييفها؟ أ لم يحن بعد طرح الأسئلة المُغيّبة عن قصد “مـــن المستفيد فعلا مـــن هكذا حركات أو دمى قاتلة”؟ لماذا ترك لهم الحبل على الغارب يسرحون ويمرحون جيئة وذهابا حتى تمرّسوا على التقتيل وولغوا فـــي دم مـــن “الدرجة الثانية”؟ كيف ومن سمح بدمج الفعل الانتفاضي “الثوري” بهكذا تنظيمات لا أوطان ولا عقيدة ولا قضية لها إلا القتل المجاني؟ لماذا تطرح الأسئلة المحرجة الآن بعد أن صار الإرهاب معولما وعابرا للقارات وتجارة مربحة تستخف بأرواح الضحايا مهما كانت جنسياتهم؟

لماذا تتعهّد تيريزا ماي، Theresa May، الآن مثلا “إزاء مواجهة الفكر المتطرّف –الذي طالما احتضنته بريطانيا- بمراجعة استراتيجية بلادها فـــي مكافحة الإرهاب بحيث يمنع أي متنفّس لهذا الفكر”؟، وتطالب “بقواعد جديدة للفضاء الإلكتروني –الذي إِفْتَتَحَ على مصراعيه ولا يزال- للحدّ مـــن نشر الفكر المتطرّف عبر مواقع الإنترنت وعدم توفير ملاذ للأفكار المنحرفة”؟

أ لم يحن على المسلمين – أول وآخر مـــن يكتوي بنار هؤلاء القتلة-أن يستعيدوا دينهم للمرة الأخيرة مـــن هذه الفرق التي خطفته وحولته إلى عنوان للقتل والسبي والذبح تحت صرخات التكبير وانشغال بعضهم فـــي ترف البحث عن مرجعيات هؤلاء وعن مسوغات وتبريرات وفتاوى ووو.. ما أنزل الله بها مـــن سلطان؟

*نبيل نايلي باحث فـــي الفكر الإستراتيجي الأمريكي، جامعة باريس.

المصدر : الجزائر تايمز