هيثم يوسف حوّل جرحه إلى محرّك إرادة
هيثم يوسف حوّل جرحه إلى محرّك إرادة

هادئ جداً لدرجة توحي بالكآبة، لكنّه ينفي تماماً أن يكون مكتئباً أو مهزوماً أمام الوضع الخاص الذي وجد نفسه فيه، شأنه شأن آلاف السوريين الذين تحوّلوا إلى جرحى حرب، سواء كانوا أطرافاً فيها أم عابري طريق أم حتى فـــي فراش نومهم.

قصة الشاب هيثم يوسف قد تكون واحدة مـــن أكبر قصص التحدي على مستوى سوريا كلّها. لم توقف إصابته فـــي النخاع الشوكي محرّك الإرادة والعزيمة فـــي داخله، رغم أنها تدرّجت فـــي نهش جسده وتوجّت النهش ببتر ساقيه مـــن الحوض. لكن نصف الجسد هذا تقوده روح أكثر مـــن مكتملة وأبعد مـــن طبيعية. إنه الآن طالب جامعي ومشروع مدرب فـــي قضايا الإعاقة، ويحلم فـــي المشاركة مستقبلاً فـــي معركة إعمار سوريا.

هيثم يوسف ابن الـ 24 عاماً، مـــن بلدة القلمون شمال غرب سوريا على الحدود مع لبنان، كـــان طالباً بمعهد للمحاسبة فـــي دمشق قبل أن تدفعه الأحداث التي ألمّت بالبلاد لمحاولة إكمال دراسته فـــي الأردن. منتصف 2014، اتخذ القرار وانطلق. وفي طريقه إلى الأردن، وعندما وصل منطقة درعا حيث دخل بلا قصد أو علم إلى ساحة اشتباك، أصابه طلق ناري اخترق عنقه وخرج مـــن رئته اليمنى. وبعد علاج لبعض الوقت فـــي أحد مشافي الرمثا، نقل إلى العاصمة الأردنية عمّان.

الجسد والروح

بعد خمسة أيام استيقظ مـــن حالة فقدان الوعي التي أدخلته فيها شدة الإصابة وتمكّنها مـــن الجسد دون الروح. فـــي أحد مشافي الأردن أجرى الأطباء لهيثم سلسلة عمليات جراحية حيث كـــان يعاني مـــن ضغط الفقرات على الحبل الشوكي. وبسبب وجود ثقب فـــي الرئة اضطر الأطباء لوضعه 35 يوماً تحت الجهاز التنفسي والرقابة الشديدة.

خمسة شهور فـــي المستشفى، ذهب بعدها هيثم إلى مخيم الزعتري للاجئين السوريين، لاستخراج بطاقة هوية تتيح لـــه التنقل ومخاطبة الجهات المعنية فـــي الأردن. لكنّه عاد مـــن المخيم محمّلاً بجرثومة نادرة وعنيدة فتكت بجسده وحيّرت الأطباء، وأضافت معاناة جديدة لمعاناته مـــن التقرح الجلدي الناجم عن عدم القدرة على التقلّب والحركة.

نقل إلى مستشفى المقاصد الأردني ليمكث فيه ثلاثة شهور إذ إن الجرثومة التي استمدت عنادتها مـــن تعقيدات الأزمة السورية، أنتجت التهاباً شديداً جداً، إلى درجة خشي معها الأطباء مـــن أن يتسبب بقاؤها دون علاج جذري فـــي انتقال الالتهاب مـــن العضل إلى العظم، ما يعني إنتاج كريات دم مصابة بالجرثومة وانتشارها فـــي كل أنحاء الجسم، وهذا مـــن شأنه التسبب بمضاعفات أشد خطورة وقد تعني النهاية. كـــان القرار النهائي للأطباء، والحالة هذه، إجراء عملية بتر متتالية للساقين مـــن منطقة الحوض بفارق شهر ونصف الشهر بينهما.

رحلة علاج

انتقل هيثم إلى مركز «سوريات بلا حدود» لتلقي العلاج الطبيعي والفيزيائي، وتعلّم مهارات الحياة اليومية والاعتماد على نفسه فـــي التنقل وقضاء احتياجاته داخل البيت، ومنه إلى السيارة وإلى أي مكان يحتاج الوصول إليه. عملية العلاج الطبيعي هذه دامت قرابة السنة.

لم يكن لهيثم أن يستسلم أو يستكين، حيث يدرك أن الحياة تنتصر لمن ينتصر لها، فقرر أن يستأنف رحلته الدراسية، وطلب مـــن أهله الذين كانوا فـــي تركيا أن يبعثوا لـــه أوراقه الثبوتية. ولأنه مـــن الصعوبة بمكان التعامل بحدوده الدنيا مع الدراسة الجامعية لمن هم فـــي مثل حالته، التحق بمراكز خاصة تلقى فيها دورات تدريبية وتعليمية فـــي مجال الإعاقة ودعم النظراء تحت مسمى «التربية الخاصة»، الأمر الذي أنضج إمكانية الدراسة، فالتحق بجامعة عمّان العربية الخاصة على طريق جرش. وهو الآن فـــي السنة الثانية ويقيم فـــي مركز «سوريات بلا حدود»، يذهب منه إلى الجامعة ويعود إليه. أما تمويل دراسته، فتتولاه جهات مانحة.

هيثم فـــي ظروفه التي لم يخترها وجد نفسه وسط نوع جديد مـــن الأهل، أناس يقاسمونه الجروح والجراح، وآخرون يتولون رعايته صحيّاً ودراسياً، وبعض كتب يطالعها، وأجهزة طبية يغمض عينيه ويفتحهما عليها. لكنّه أوضح الحين والآخر يتواصل مع أهله الأصليين المقيمين لجوءاً فـــي تركيا، مـــن خلال الهاتف ووسائل سوشيال ميديا، ولكي يتمكن مـــن لقائهم مباشرة عليه أن يذهب إلى تركيا.

رسالة

يوجّه هيثم يوسف رسالة إلى مـــن تعرّضوا أو قد يتعرّضون للإعاقة أو الإصابة بألا يستسلموا بل أن يخوضوا معركة تحدي الإصابة والإعاقة. ينصحهم بعدم الإحساس بأنهم عالة على المجتمع أو أنهم مجرّد مستهلكين. وحتى يكونوا منتجين يجب أن يكونوا حاملي شهادات وأصحاب تخصّصات، لا أن تستوعبهم المؤسسات مـــن باب الشفقة والتعاطف. يجب أن يكونوا طبقة منتجة، وأن يكونوا جاهزين للمساهمة فـــي إعادة إعمار سوريا.

المصدر : البيان