«صحوة الماتادور».. كيف تحقق إسبانيا معجزة مونديال جنوب إفريقيا؟
«صحوة الماتادور».. كيف تحقق إسبانيا معجزة مونديال جنوب إفريقيا؟


فـــى كأس العالم ٢٠١٤ وعلى غير المتوقع، ودع الماتادور الإسبانى البطولة مـــن الدور الأول بعد تلقيه هزيمتين مُذلتين أمام منتخبى تشيلى وهولندا، مخالفًا كل التوقعات التى ذهبت بعيدًا ببطل العالم فـــى نسخة ٢٠١٠ بجنوب إفريقيا وتوقعت وصوله إلى الأدوار النهائية. كـــان المونديال الأخير بمثابة شهادة وفاة للجيل الذهبى لإسبانيا الذى حقق كأس العالم فـــى ٢٠١٠ وبطولة أمم أوروبا مرتين متتاليتين فـــى رقم قياسى عامى ٢٠٠٨ و٢٠١٢، واختتم ٧٠٪ مـــن قوام هذا الفريق مشوارهم مع المنتخب، وبعضهم مع المستطيل الأخضر بشكل نهائى، فدخلت عناصر جديدة بروح شابة ومعنويات مغايرة لتحمل أحلامًا جديدة، وتسعى لكتابة صفحات ذهبية أخرى. ماذا تغير فـــى منتخب إسبانيا؟ وما الشكل التكتيكى للفريق الحالى؟ وفرص حصوله على اللقب؟ هذه وغيرها مـــن التساؤلات تُجيب عنها «الدستور» فـــى حلقة جديدة مـــن حلقات «هنا موسكو».

حارس خيالى.. أفضل دفاع يهاجم فـــى العالم.. وبديل يقلب الحسابات

تغييرات كثيرة جرت على شكل التشكيل الذى خاض به الفريق الإسبانى المونديال الأخير، أولها دخول الحارس العملاق دى خيا لاعب مانشستر يونايتد الإنجليزى، على حساب الأسطورة إيكر كاسياس، لاعب ريال مدريد السابق، الذى كـــان ظهوره الأخير بمثابة إهانة لتاريخه ومثّل نقطة ضعف رئيسية فـــى أداء الفريق.
فـــى التوقيت الراهن، صار دى خيا أفضل حراس العالم بلا منازع، وبات ريال مدريد مستعدًا لدفع مبالغ خيالية بل والدخول فـــى صفقات تبادلية يتخلى فيها عن نجوم بالفريق مـــن أجل ضمه، فيتميز دى خيا عن غيره مـــن حراس العالم بردة فعل ورشاقة ومرونة خيالية، إلى جانب ذكائه الشديد فـــى التمركز داخل منطقة جزائه وعلى خط مرماه، ويبدع دائمًا فـــى اختيار توقيت خروجه، وفى وقفته أمام المهاجمين فـــى الانفرادات، فضلًا عن إجادته اختيار توقيت الارتماء على الكرة، بعد اتخاذ الخطوات الأنسب والمطلوبة للتمكن مـــن اصطياد الكرات أيًا كانت قوتها. إلى جانب امتلاكه حارس مرمى فضائيًا، فلدى جولين لوبيتيجى، المدير الفنى للفريق الإسبانى، خط دفاع هو الأفضل رقميًا فـــى العالم هذا التوقيت، ودائمًا ما تجد عناصره بالكامل ضمن أفضل التشكيلات لجميع بطولات الأندية الأوروبية.
مـــن اليمين إلى اليسار يلعب فـــى دفاع الماتادور، كارفخال، راموس، بيكيه، ألبا.. فأنت الآن أمام خطى دفاع وريال مدريد، أمام أفضل قلبى دفاع فـــى العالم (بيكيه، راموس)، وأفضل ظهير أيمن (كارفخال) وثانى أفضل ظهير أيسر (ألبا).
أهم ما يميز هذا الخط عن غيره مـــن دفاعات المنتخبات الأخرى، أن جميع لاعبيه يجيدون الأدوار الهجومية، وقادرون على التسجيل وصناعة فرص التهديف، ففى الكرات الهوائية يتألق بيكيه وراموس، وفى الدعم الهجومى وتقديم الأسيسات دائمًا ما يكون ألبا مفتاحًا سحريًا فـــى البارسا وكارفخال فـــى مدريد.
عندما نعرف أن المدافع راموس نجح فـــى تسجيل ٨٦ هدفًا وصنع ١٣ أخرى، وتمكن صديقه بيكيه مـــن تسجيل ٤٧ هدفًا وصنع ٨ أخرى، فنحن بلا شك أمام مدافعين تربيا منذ الصغر على قاعدة أساسية: «كيف يلعبان كرة القدم، لا كيف يضايقان مهاجمى الخصم فحسب، وهذا ما يتميز به دفاع الإسبان عن الآخرين».
إلى جانب ذلك يمتلك المدرب الإسبانى على دكة البدلاء واحدًا مـــن أفضل مدافعى العالم أيضًا هو أزبليكويتا، مدافع تشيلسى الإنجليزى، ويمنح هذا اللاعب الفريق حلولًا تكتيكية مهمة جدًا، إذ يستطع الفريق التحول فـــى وجوده إلى الاعتماد على ٣ مدافعين بدلًا مـــن ٤، لإجادته اللعب على الطرف يمينًا ويسارًا فـــى طريقة ٣٤٣ التى اعتاد عليها مع مدربه أنطونيو كونتى فـــى البلوز.

أمهر لاعبى وسط فـــى العالم وموراتا المرعب سلاح أمامى
فـــى وسط الملعب لا يختلف الحال، ربما يزداد الأمر قوة، فمع الماتادور أنت أمام أمهر مجموعة لاعبى وسط فـــى العالم، مـــن حيث القدرة على المراوغة والاستلام والتسلم تحت الضغط وفى المساحات المخنوقة، فـــى ظل وجود تُخمة ستكون فـــى قمة الحيرة عندما تختار التشكيلة مـــن بينهم وأبرزهم: «إيسكو، تياجو ألكانتارا، بوسكيتس، إياراميندى، سيلفا، إنييستا، ساؤول، كوكى»، كما تتمتع هذه المجموعة بالمزج أوضح الخبرات والشباب الذين يلعبون البطولة الأولى لهم فـــى المونديال. إلى جانب المهارة العالية على المستوى الفردى لجميع لاعبى الوسط، فإن هناك مرونة كبيرة تتمتع بها هذه المجموعة وتمنح لوبيتيجى حلولًا كثيرة فـــى اختيار طريقة اللعب، سواء الاعتماد على لاعب ارتكاز وحيد (بوسكيتس) وأمامه ثنائى، أو اللجوء إلى لاعبى ارتكاز بالدفع بمقاتل أتلتيكو مدريد، كوكى إلى جوار الصدادة بوسكيتس.
تتميز هذه المجموعة مـــن اللاعبين بالقدرة على امتلاك الكرة تحت الضغط، وبناء الهجمة مـــن الأسفل، فحتى ليبرو خط الوسط بوسكيتس تجده يقف على الكرة تحت الضغط أمام منطقة الجزاء، ولم يلجأ مرة وحيدة إلى التطفيش أو إرسال الكرات العشوائية للتخلص مـــن الضغط الواقع عليه، فتخرج الكرة مـــن المنطقة الخلفية بشكل سليم تمنح صُناع اللعب المساحة المطلوبة.
هكذا هو بوسكيتس اللاعب الذى يقوم بالأدوار الدفاعية فـــى الوسط، فكيف هو الحال لدى صُناع اللعب إنييستا وإيسكو وسيلفا، فجميعهم يأتون أوضح أفضل ١٠ صُناع لعب فـــى العالم، ولن نكون مبالغين إذا قلنا إنهم أوضح الـ٥ برغم تراجع مستوى إنييستا بفعل تعرضه للإصابات بشكل متكرر.
وبرغم أن الخط الأمامى هو الأقل مقارنة بخطى الدفاع والوسط، لكنه يبقى هجومًا قويًا وقادرًا على صناعة الكثير، فـــى ظل وجود رأس حربة بقدرات ألفارو موراتا، وأجنحة بسرعة ومهارة أسينسو، نجم الريال، وإسباس المتألق مع سلتا فيجو، وبيدرو أحد بقايا الزمن الجميل، وكاليخون، ورودريجو. تتميز هذه التوليفة الهجومية بالقدرة على التنوع، سواء باللعب على الأطراف أو الدخول فـــى العمق، ومنح مساحات لصعود الظهيرين كارفخال وألبا، كما تمتلك قدرات فردية عالية، سواء الحس التهديفى لموراتا الذى يتصدر قائمة هدافى البلوز، أو تسديدات ومراوغات أسينسو الخيالية، وسرعات بيدرو وإسباس.

1414.. الطريقة الأمثل للاستفادة بأكبر عدد مـــن النجوم
ما أوضح ٤٣٣ و٤٢٣١ يتبدل الشكل العددى للمدرب الإسبانى منذ وصوله لقيادة الفريق، لكن لماذا ٤١٤١ هى الطريقة الأمثل للماتادور؟.
نظرًا لحالة الزيادة العددية الكبيرة فـــى الوسط، وامتلاك الفريق مجموعة مـــن المهارات، يستوجب على المدرب أن يبحث عن طريقة تحتوى عددًا أكبر منهم، وتعطى الفريق مرونة تكتيكية فـــى التحول مـــن الدفاع إلى الهجوم والعكس، وإذا ما أراد إجابة ستكون واضحة ٤١٤١.
فـــى هذه الطريقة سيكون التشكيل مكونًا مـــن الرباعى الدفاعى المعتاد: كارفخال يمينًا، ألبا يسارًا، وبينهم راموس، وبيكيه كقلبى دفاع، وفى الارتكاز بوسكيتس وحيدًا، أمامه رباعى أسينسو وساؤول على الأطراف بينهم فـــى قلب الملعب ديفيد سيلفا (تياجو ألكنتارا) وإيسكو (إنييستا)، خلف مهاجـــم وحيد هو موراتا.
بهذه الطريقة سيهاجم المنتخب الإسبانى بـ٥ لاعبين لديهم القدرة على تشكيل الخطورة على أى مرمى، ويمتلكون الحلول الفردية مـــن حيث المراوغة والتسديد والجرأة فـــى اقتحام مناطق الخصم، وتحقيق التنوع ما أوضح اللعب على أطراف الملعب عبر أسينسو وساؤول أو الدخول مـــن العمق عبر سيلفا وإيسكو أو بديليهما إنييستا وألكنتارا.
وفى الحالة الدفاعية، يستطيع الفريق الدفاع بـ٩ لاعبين، إذ سيكون موراتا الاستثناء الوحيد فـــى حين سيقوم الرباعى الذى يلعب أمام بوسكيتس بأدوار دفاعية وستكون الأطراف مؤمنة تمامًا بتواجد لاعبين.
أهم ما يدفع المدرب إلى اللجوء لهذه الطريقة إلى جانب حاجته لاستغلال عدد أكبر مـــن لاعبى الوسط، هو مرونة الرباعى الذى يلعب أوضح بوسكيتس وموراتا، وقدرتهم جميعًا على تبادل الأدوار فيما بينهم، سواء بالخروج على الأطراف أو بالدخول فـــى عمق الملعب، وهو ما يبدع فيه سيلفا مؤخرًا مع مانشستر سيتى وإيسكو مع ريال مدريد.
حالة اللامركزية وتبادل أدوار العمق والطرف ما أوضح سيلفا وأسيسنو، ستكون ذات فائدة كبيرة على الفريق فـــى حال ما تكرر ما يفعله سيلفا مع ليروى سانى فـــى السيتى، وكذلك إيسكو مع ساؤول أو إسباس فـــى الجهة الأخرى.
كما تُعطى هذه الطريقة حلولًا مبدعة لخلق المساحات، بسقوط القلبين (سيلفا وإيسكو) بشكل متكرر فـــى هذه المساحة ما أوضح خطى وسط ودفاع الخصم، كما أن وجود جناحين يفتحان أطراف الملعب بشكل كبير يُجبر الخصم على الخروج، وتوسيع المساحات التى يُريدها الفريق الإسبانى لتكون كلمة السر هنا.
يستطيع الفريق بهذه الطريقة أن يُرهق أى خصم على أطراف الملعب وبالقلب، وستمثل عملية اللامركزية وتبادل الأدوار أوضح رباعى الوسط ومعهم المهاجم موراتا عبئًا كبيرًا على أى خط دفاع، كما ستضمن الدفاع بعدد كبير مـــن اللاعبين، فـــى حين لم تعد طريقة ٤٣٣ هى الطريقة المثلى للفريق الإسبانى فـــى ظل تراجع أندريس إنييستا واعتزال تشافى، وامتلاك بدائلهما لحلول وإمكانيات مغايرة تتطلب طرق لعب أكثر تطورًا.
كما أن اعتماد المدرب على ٤٣٣ ستجعله يدفع باثنين فقط مـــن أوضح (إنييستا، ألكنتارا، سيلفا، وإيسكو، وساؤول، وأسينسو، وكوكى، وإسباس) فـــى حين تمنحه طريقة ٤١٤١ الاستفادة مـــن لاعبين آخرين مـــن أوضح هذه الكوكبة ومعالجة النقص فـــى مركز المهاجم.
إذا أراد لوبيجيتى الاستفادة حقًا مـــن سيلفا وإيسكو خير استفادة، فعليه إعادة مشاهدة مباريات مانشستر سيتى كل ليلة، ليعرف كيف حوّل بيب جوارديولا دى بروين، وسيلفا إلى أفضل صانعى ألعاب فـــى العالم، وكيف أسهمت تلك المرونة الكبيرة التى منحها لهم جوارديولا فـــى صناعة شغل مغاير تمامًا للفريق، فكما استفاد ديل بوسكى فـــى الماضى مـــن توليفة تشافى - إنييستا فـــى الماضى وحققت المعجزات، جاء الدور على ثنائية سيلفا، وإيسكو.
كما أن إصرار المدرب على طريقة ٤٣٣ تجعله يدفع بسيلفا فـــى مركز الجناح، وهو ما يقلل كثيرًا مـــن خطورة اللاعب الذى لا يحب التقيد بالطرف.
1

المصدر : الدستور