لهذا السبب لم يعد طفلك يرغب في معانقتك
لهذا السبب لم يعد طفلك يرغب في معانقتك

لم يعد الطفل الصغير الذي يشعر بالحزن إذا غابت والدته عن ناظريه، ولا ذاك الطفل الملاصق لوالديه، وإنما الطفل الذي يخطو نحو المراهقة، أي نحو الاستقلالية وعدم التبعية لوالديه. واحتضان والدته لـــه وعناقه وتقبيله، ولا سيما فـــي الأماكن العامة وأمام أقرانه تعني أنه لا يزال طفلاً صغيرًا. وإذا تتبّعنا مراحل النمو عند الإنسان نجد أن احتياجاته العاطفية تختلف باختلاف السن والمرحلة التي هو فيها.

فـــي مرحلة الطفولة المبكرة العناق والحضن ضروريان 

عند الولادة يحضن الوالدان الرضيع بحنان، وبشكل متواصل، فتكون بشرته متلاصقة مع بشرة والدته أو والده. فهي تعانقه فـــي كل مرة تغير لـــه الحفاض وأثناء الرضاعة والاستحمام وهذا يساعد على بناء علاقة وطيدة مع الطفل، ومن اللافت كم يشعره هذا العناق المتواصل بالراحة والأمان العاطفيين. 

لذا، مـــن المهم جدًا عناق الأطفال الصغار لأسباب عدة، فهو يساهم فـــي تَعْظيم روابط التواصل معهم، ويواسيهم ويطمئنهم ويوفر لهم الراحة العاطفية ويعزّز نمو أدمغتهم بشكل ممتاز. 

واحتضان الطفل الرضيع هو أيضًا منحه لاحقًا احتمال أن يجد لنفسه مصادر «راحة النفس»، التي تسمح لـــه بإدارة عواطفه والتعامل مع تقلبات الحياة. فالأطفال يحبون أن يكونوا محضونين. 

يرتبط هذا الشعور، بالدفء الرقيق والرائحة المعروفة يسعى إليهما طوال مرحلة الطفولة. لاحظوا كم تهدأ أكبر المشكلات على الفور عندما يضع الطفل رأسه على صدر والدته الدافئ والحنون.

نحو استقلال الطفل الذاتي 

حوالى 2-3 سنوات عندما يتعلم الطفل الاستقلال يكون للعناق دور مهم، وخاصة فـــي لحظات الانفصال اليومية، فـــي الحدث نيوز حين يذهب إلى الحضانة أو المدرسة، أو لحظة النوم وكذلك مع أي تغيير كبير يحدث فـــي العائلة: وصول أخ أصغر أو شقيقة، والانتقال...

بدءًا مـــن سن السادسة يريد الطفل ألا يُنظر إليه على أنه صغير جدًا ويطلب مـــن والدته عناقًا أقل فـــي الأماكن العامة، ولكن حاجته إلى الحضن، والجلوس على ركبة والده والتواصل الجسدي مع والديه لا يزال مهمًا بالنسبة إليه.

وفي الواقع، حاجة الطفل إلى الحضن لا تستند إلى السن فقط وإنما إلى مزاجه وشخصيته: فكل طفل لديه احتياجات مختلفة، ويمكن إعادة شحن مخزونه العاطفي بعناق مدته متغيرة. 

ومع ذلك، فإذا حدث تغيير مفاجئ فـــي سلوك الطفل، وأصبح يرفض العناق بشدة فـــي حين كـــان يطلبه، فمن المهم التحدث معه، والانتباه إلى ما يحدث فـــي يومياته مع أقرانه أو الراشدين المحيطين به.

مرحلة هو الذي يقرّر فيها! 

ما الذي يمكن فعله إذا رفض محبتنا؟ سؤال يطرحه الكثير مـــن الأهل فيجيب الاختصاصيون بـــأن على الأهل فـــي هذه المرحلة مـــن عمر الطفل (8- 12) الامتناع عن العناق المفروض، والمجاملات أو المديح الذي فـــي غير محله. لذا عليهم الانتباه ما إذا كانوا يعاتبونه على رفضه. 

فالطفل فـــي حاجة إلى أن تكون لـــه القدرة على الطلب والبحث عن العناق فـــي اللحظة التي تسمح لـــه بالشعور بالراحة، فهو لم يعد يريد العناق الذي يخنقه، بل يرغب بعناق يحدّد هو متى يحتاج إليه، أو حضن يساهم فـــي تهدئته إذا كـــان متوترًا. 

إذًا، على الأهل فـــي هذه السنّ احترام رغبة الطفل وليس اتهامه بأنه لم يعد يحبّهم. وتجدر الإشارة إلى أن بعض الأطفال يفضّلون أشكالاً أخرى فـــي طريقة استعادة الشعور بالأمان مثل اللعب مع أهلهم، تخصيص وقـــت للتحدّث عن الأمور الشخصية، ومشاركة لحظات ترفيهية.

يرفض العناق ولا سيما فـــي الأماكن العامة! 

على الرغم مـــن أن المراهق (8-13 سنة) لا يزال يرغب فـــي عناق أهله، هناك قاعدة عامة إلى حد ما، وهي أنه لا يحب أن يعانقه أحد والديه، ولا سيما والدته أمام أصدقائه، ففي مرحلة ما قبل المراهقة، يعتبر الطفل نفسه أنه أصبح ناضجًا ويسعى إلى الاستقلال الذاتي، وبالتالي يتصرف أمام أصدقائه كما لو أنه سيّد نفسه والقادر على اتخاذ القرارات الخاصة به، وأنه لم يعد طفلاً تلاحقه نظرات والديه أينما ذهب، ولا يبكي إذا تأخر أحد والديه لجلبه مـــن المدرسة، وبالتالي فعناقه وحضنه أمام أصدقائه، يشعرانه بالحرج، فالأطفال فـــي هذه المرحلة يستهزئون بصديقهم إذا عانقته والدته أمامهم، وقد يتنمّرون عليه مثلاً «ابن الماما... لا يزال طفلاً صغيرًا...». 

لذا قبل انفصال المراهق الحقيقي، ونعني عدم التبعية لأهله فـــي كل تفاصيل حياته، فإن هذا الطفل العابر إلى مرحلة المراهقة سوف تمرّ علاقته بوالديه بفترات متقلبة تتناوب فيها رغبة الانفصال عنهما وأحيانًا أخرى الرغبة فـــي الالتصاق بهما. 

حتى لو كـــان صعبًا، على الأهل تقبّل عدم رغبة المراهق الصغير فـــي معاملته كما الطفل، ولا سيما العناق والاحتضان واحترام هذا الرفض، لأنه جزء مـــن التطوّر الطبيعي للمراهق، فهو فـــي حاجة إلى وضع مسافة صحية بينه وبين والديه للحصول على الحكم الذاتي.

وقد يفاجئ هذا الطفل أحد والديه بعناق قوي وشديد، خصوصًا إذا حقق إنجازًا ما أو كافأه أحد والديه، أو تحققت لـــه أمنية، عندها على الأهل الاستمتاع بهذه اللحظة وتجنب عبارات تحمل فـــي مضامينها عتاباً مـــن قبيل «اعتقدت أنك لم تعد تحبني».

هل رفض العناق هو بالمقدار نفسه عند البنت والصبي؟ 

لا، فالمسألة عند الصبي تتعلّق بمفهوم الرجولة والقوة، فيما البنت فـــي طبعها تظهر استجابة كبيرة لمشاعر المحيطين بها، ولا سيما والديها، فهي أكثر حساسية، وبالتالي لا تخجل أو تشعر بالحرج إذا ما حضنتها والدتها أمام صديقاتها، بل على العكس ربما تتباهى أكثر بعاطفة والديها، فيما الصبي، وتبعًا للمفاهيم الراسخة فـــي اللاوعي الاجتماعي، يشعر بالحرج إذا عانقته والدته أمام أصدقائه. 

ولكن الملاحظ أن البنت والصبي بدءًا مـــن سن الست سنوات، يرفضان العناق المفروض عليهما ومن دون استئذان. 

إذًا مـــن الأفضل عدم فرض العناق، لأن ذلك قد يسبب صراعًا أوضح الطفل وأهله. ومع ذلك، لا شيء يمنع الأهل مـــن إظهار عاطفتهم ومودّتهم لطفلهم، مـــن خلال عبارات التشجيع، والمراقبة التي تشعره بالأمان، ومشاركته فـــي النشاطات الترفيهية، فهذه المسائل تُشعر الطفل بالأمان العاطفي، وتعزز ثقته فـــي نفسه.

لماذا يقال إن العناق جيد للدماغ؟ 

لأنه يساهم بتحرّر الهورمونات فـــي الجسم، وتحديدًا هورمون الأوكسيتوسين، المعروف أيضًا باسم هورمون العناق. ويؤكد اختصاصيو علم النفس أن العناق يساعد بانتظام فـــي مكافحة الشعور بالإجهاد، والتعب والاكتئاب والالتهابات، كما أنه يساهم فـــي تَعْظيم جهاز المناعة.

 طفل العناق هورمون الأوكسيتوسين الحرج الطفل الأمان العاطفي الأهل رغبة المراهق الأماكن العامة سلوك الطفل الطفل الذاتي مرحلة الطفولة المراهقة الاختصاصيون
 

المصدر : الصباح العربي