المنياوي: كتاب يغيبون بسبب مسئولين
المنياوي: كتاب يغيبون بسبب مسئولين

قال الكاتب عبد اللطيف المنياوي، إنه خلال حياته المهنية شاهد مسئولين كبار فـــى مناسبات عامة،  يقولون لكتاب: "ما هذا الذى كتبته- أو قلته- يا فلان؟"، ثم أتفاجئ أن هذا الكاتب قد اختفى تمامًا عن الساحة الكتابية، وعندما يعود هذا المسئول ليسأل هذا الكاتب فـــي مناسبة أخري ويقول لـــه لماذا لا تكتب كما تعود، تعلم أنه تمت إعادة الغطاء إلى الكاتب الذى سبق أن رفع عنه، بإيماءة هذا المسئول".

وأضاف "المنياوي" فـــي مقالة لة بـ"المصري اليوم" أن تلك القصة ليست قصة شخص بعينه أو مسئول محدد، ولكنها قصص تقليدية متكررة فـــى مجتمعاتنا فـــي شتي المجالات وعلي جميع المستويات.

واختتم مقاله :"تلك الأساليب تعود إلي أحد أتباع المسئول فـــى ناقلة قد يقرر المسئول الكبير، فجأة أن يستخدمها إذا ما قرر العودة وأراد استخدامها بالذات. ولم يجرؤ أحد على الذهاب إلى ذلك المسئول الكبير وسؤاله، أى واحدة مـــن تلك الناقلات يريد أن يستبقى".

وإليكم نص المقالة..

مررت فـــى حياتى المهنية بعدة مشاهد جمع بينها تأكيد أحد العيوب التى تكون شخصيات الدائرة المحيطة بمناطق اتخاذ القرار، وأيضا إحدى المشكلات التى تشكل تحدياً لنا فـــى عصر نريده جديداً.

يمر المسؤول الكبير فـــى مناسبة عامة ويرى أمامه كاتبا فـــى صحيفةـ رسمية أو شبه رسميةـ أو شخصية عامة، فيقول لـــه معاتبا أو زاجرا «ما هذا الذى كتبته- أو قلته- يا فلان؟» ويحاول الكاتب شرح وجهة نظره التى لا يستمع إليها المسؤول أو يوليها اهتماما، وينتهى الموقف ويبقى الأثر. فيتحول ذلك الكاتب، أو الشخص العام إلى شخص «مستحل» تبدأ السهام فـــى الاتجاه نحوه وإصابته. وتبدأ المعاناة مـــن غياب الذين كانوا حوله فـــى يوم مـــن الأيام. ويختفى طالبو الود سابقا، وتغيب كتابات الكاتب عن الصحيفة.

يظل الحال هكذا حتى يأتى يوم آخر- إن أتى- يلتقى فيه ذلك المسؤول بذلك الكاتب مرة أخرى، ويسأله: «لماذا لم تعد تكتب يا فلان؟»، ولا ينتظر منه إجابة أيضا، ولكن يتغير الحال ويعود إلى سابقه. فقد تمت إعادة الغطاء إلى الكاتب الذى سبق أن رفع عنه، بإيماءة قَائِد.

هذه القصة ليست قصة شخص بعينه أو قَائِد محدد، ولكنها- فيما أظن- قصة تقليدية متكررة فـــى مجتمعاتنا، لا أظن أن أحدا ممن قرأها الآن قد فاجأته فـــى شىء، بل قد يكون البعض ممن بدأ القراءة قد توقف الآن، فما يقال ليس بجديد.

هنا لا تهم تفاصيل القصة بقدر دلالتها التى تعبر عن ثقافة خاصة فـــى المجتمع، يمكن أن أسميها ثقافة تحسس تجاه المسؤول أو «قراءة أحلام المسؤول». وفى تعبيراتنا المتداولة فـــى إطـــار التندر أو الفكاهة والمزايدة يقال تعبير «أحلام سعادتك أوامر» برغم أنه يقع فـــى دائرة الفكاهة كما ذكـــرت، ورغم أنه يعد تعبيرا كاريكاتيريا عن وضع اجتماعى نعانى منه.

آثار هذا المرض لا تقف عند حدود النفاق الواضح للمسؤول، ولكنها تتخطى ذلك إلى أمور أخرى حياتية، أظنها تصب فـــى النهاية، فـــى خانة إعاقة أى مجهودات إصلاحية.

والحكاية أو النموذج السابق هو نموذج متكرر فـــى مستويات مختلفة ومجتمعات مختلفة، فمن يعملون مع المسؤول لا يملكون جرأة مناقشته فيما يقول أو يأمر به. ويبحثون عن نياته واتجاه تفكيره، وذلك لالتقاط ما يفكر فيه المسؤول أو يحلم به للسير فـــى الاتجاه الملهم للمسؤول، بل تتخطى الأمور حدودها عندما يصل حملة المباخر هؤلاء إلى مستوى تنظير ما ينطق به المسؤول، والبحث عن مزاياه الخفية وحكمته السديدة ورؤيته التى تتخطى حدود رؤية العامة مـــن أمثالنا. أى باختصار، يلعبون دور منظرى الجهل.

طالما أن اليوم هو يوم الحكايات، فقد تكون الحكاية التالية مناسبة وهى عن ذلك المسؤول الذى سافر وبصحبته عدد لا بأس به مـــن الناقلات ومعه أيضا عدد لا بأس به مـــن المسؤولين والحاشية. وعندما حان موعد العودة إلى الديار، قرر أن يبقى هو لبعض الوقت. وكانت المشكلة الكبرى أن على بقية المسؤولين العودة فـــى الموعد المحدد لإدارة شؤون العباد. ولكن ظل السؤال الكبير: أى ناقلة يريد المسؤول الكبير أن يركب حينما يقرر العودة؟.

كانت الخشية- كل الخشية- أن يعود أحد أتباع المسؤول فـــى ناقلة قد يقرر المسؤول الكبير، فجأة أن يستخدمها إذا ما قرر العودة وأراد استخدامها بالذات. ولم يجرؤ أحد على الذهاب إلى ذلك المسؤول الكبير وسؤاله، أى واحدة مـــن تلك الناقلات يريد أن يستبقى. وكان الحل الأسهل أن تبقى كل الناقلات، وبالتالى يبقى المسؤولون التابعون، لأن أحدا لم يجرؤ أن يسأل مجرد سؤال. إذا كـــان هذا الحل فـــى موقف كهذا، فكيف نتخيل الحال فيما يتعلق بمصائر بشر ومجتمعات.

الموضوع كبير ويحتاج إلى ما هو أكثر مـــن كلمة، ولكن هنا فقط، أردت أن أشير إلى مشكلة حقيقية أظنها عائقا كبيرا أمام أى تقدم ديمقراطى، العجز عن مساءلة المسؤول.. العجز عن مناقشة القرار أو التهرب مـــن مناقشته، بل التمادى إلى حدود التنظير للخطأ أو الجهل. كل هذه المشكلات حقيقية، ليست وهما، وليست أمرا هامشيا. كم مـــن الهمهمات الناقدة المستنكرة لخطاب أو كلمة لمسؤول، وقتما ينتهى منها، يتسابق أولئك المهمهمون والمستنكرون ليهنئوه على كلمته ورؤيته.

المصدر : المصريون