«ذي أتلانتك»: لماذا يحب الأطفال «يوتيوب كيدز» إلى درجة الهوس؟
«ذي أتلانتك»: لماذا يحب الأطفال «يوتيوب كيدز» إلى درجة الهوس؟

إن لم يكن فـــي حياتك طفلٌ فـــي الأعوام الأولى مـــن عمره، فعلى الأرجح لم تسمع مـــن قبل بتطبيق «يوتيوب كيدز»: النسخة المنقحة مـــن منصة الفيديو «يوتيوب» لتناسب الفئة العمرية المستهدفة.

مقاطع الفيديو التي تظهر على سطح التطبيق، مـــن أوضح العدد الهائل مـــن مقاطع الفيديو التي ينشرها المستخدمون على يوتيوب، تولِّدها خوارزمية تضع فـــي حساباتها تاريخ البحث والمشاهدة وبياناتٍ أخرى لتنتقي عن طريقها المقاطع التي قد يريد الأطفال مشاهدتها.

تستعرض أدريان لافرونس فـــي تقريرها بصحيفة «ذي أتلانتك» أسباب نجاح هذه الخوارزمية فـــي جعل الأطفال مهووسين بمشاهدة مقاطع «يوتيوب كيدز» لساعاتٍ طوال، وما يخبرنا به هذا عن رغبات الطفل ونفسيته وطريقة تفكيره.

اقرأ أيضًا: انتبه.. يوتيوب يمكن أن يرسلك إلى السجن!

نافذة على نفوس الأطفال

Youtube-kids1.jpg

تقول هيذر كيركوريان، الأستاذ المساعد بقسم التنمية البشرية بجامعة ويسكونسن ماديسون: إن «عددًا قليلًا مـــن الناس ينظرون فـــي هذا. فـــي العام الأخير، بدأنا نرى أبحاثًا عن التطبيقات وشاشات اللمس». وهو أمرٌ منطقي، ففي عصر الإنترنت المحمول، بدأ أبناء جيل الألفية، ممن هجروا مشاهدة التلفاز هِجرانًا جماعيًا، فـــي إنجاب الأطفال. وهو ما يجعل تطبيقات الأجهزة المحمولة والحواسيب هي الاختيار الأكثر شعبية فـــي عصرنا لمُشاهدة المحتوى المخصص للأطفال. بدلًا عن مكافأة الطفل بمشاهدة حلقة مـــن مسلسل كارتوني مدتها 30 دقيقة، يحصل الطفل على 30 دقيقة مـــن تصفح المقاطع الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية.

التطبيق الذي نتحدث عنه تحديدًا هو «يوتيوب كيدز»، النسخة المنقحة مـــن «يوتيوب» التي تستخدم خوارزميات خاصة تستهدف الأطفال فـــي مرحلة ما قبل المدرسة. تعمل خوارزميات المواقع الإلكترونية والتطبيقات كمرشحاتٍ تتتبع ما تجده مثيرًا وفق عدة عوامل، ثمَّ ترسل لكَ مزيدًا مـــن هذا المحتوى. هكذا ترتفع مشاهدات المقاطع الناجحة؛ ما يدفع صنَّاع المحتوى ومقاطع الفيديو إلى صنع محتوىً مشابه تمرره الخوارزميات مرة أخرى إلى المستخدم (أو الطفل فـــي هذه الحالة) لينقر عليه ويشاهده.

تعني هذه العملية أن المحتوى يخضع لاختيار الأطفال بدرجةٍ كبيرة، وأنَّهم يوجهون صناع المحتوى إلى ما يمسُّهم ويثير اهتمامهم ويمتعهم. وهو ما يجعل مـــن تطبيق «يوتيوب كيدز» انعكاسًا هائل الحجم لرغبات الأطفال، ونافذة على نفوسهم.

ماذا يشاهد الأطفال على يوتيوب كيدز؟

المقاطع الموجهة للأطفال هي مـــن ضمن المحتوى الأكثر مشاهدة فـــي تاريخ يوتيوب. هذا المقطع، مـــن برنامج رسومٍ متحركة روسي يُدعى «ماشا والدب»، حصل على 2.3 مليار مشاهدة وفق أرقام يوتيوب.

يقدِّم يوتيوب كيدز مقاطع رسوم متحركة عالية الجودة، إضافةً إلى مقاطع مـــن برامج تليفزيونية شهيرة، وأغاني الأطفال. ومن أشهر القنوات التي تقدِّم نسخها مـــن الأغاني المحببة للأطفال ChuChu TV. هذا المقطع لأغنية Twinkle Twinkle Little Star وأغانٍ أخرى حصل على نحو 350 مليون مشاهدة.

تُناسب مقاطع «يوتيوب كيدز» بطرقٍ عدة سعة الانتباه القصيرة عند الأطفال، وفقًا لمايكل ريتش، أستاذ طب الأطفال بكلية طب هارفارد. «هي مناسبة بحكم مدتها أكثر مـــن برنامجٍ تليفزيوني مدته نصف ساعة». ويُقارن ريتش وآخرون «يوتيوب كيدز» ببرنامج «عالم سمسم»، الذي تميَّز بتقديم مقاطع قصيرة فـــي إطـــار حلقة أطول، مستهدفًا الحفاظ على انتباه المشاهدين الصغار.

أريد هذه الموزة

مدة المقاطع ليست السبب الوحيد لجاذبية التطبيقات على غرار «يوتيوب كيدز» عند الأطفال. صمَّمت هيذر كيركوريان وفريقها سلسلة مـــن التجارب تنظر فـــي دور التفاعلية فـــي مُساعدة الأطفال على تلقي المعلومات، ووجدت اختلافاتٍ مذهلة فيما يتعلمه الأطفال – حتى الأطفال دون العامين – حين يُتاح لهم التفاعل مع تطبيق عوضًا عن مجرد مشاهدة المحتوى عبر الشاشة. كذلك وجد باحثون آخرون أن التفاعل يُساعد الأطفال على حفظ المعلومات بطريقةٍ أفضل.

تُضيف هيذر إن الأمر على ما يبدو يتعلق أيضًا بفعل الاختيار نفسه. «امتلاك نوع مـــن الفاعلية يصنع فارقًا عند الأطفال الصغار». حين يطلب الطفل موزة ويبدأ أحد الكبار فـــي تقشيرها لـــه، فإنه يبكي ويضرب الأرض بقدميه، ويطلب واحدة أخرى يزيل قشرتها بيديه، بالرغم مـــن فهمه أنَّها ستكون الموزة نفسها، لا يميزها شيء عن سابقته.

اقرأ أيضًا: 5 أسرار لتربية أطفال فنانين

لكن تظل أسباب ذلك فيما يتعلق بمحتوى الأطفال خاضعة للتكهنات. تذهب إحدى الأفكار إلى أن الأطفال يحبون مشاهدة المحتوى نفسه مرارًا وتكرارًا حتى يتسنى لهم فهمه. وهو ما يعني، وفقًا لهيذر، أنهم «سيتفاعلون بطريقة تخدم أهدافهم التعليمية إن أتيحت لهم الفرصة لاختيار ما يشاهدونه»، لأن تعلم المعلومات الجديدة مُشبِع، على حد قولها. وهذا قد يفسر أعداد المشاهدات الهائلة على مقاطع «يوتيوب كيدز».

أيضًا تقول جورجين تروزيث، الأستاذ المساعد فـــي علم النفس بجامعة فاندربيلت، إن الأطفال تنشأ بداخلهم «اهتماماتٍ بالغة القوة» عند اقترابهم مـــن سن 3 سنوات، إذ تجد الطفل مهتمًا إلى أبعد الحدود بالأفيال أو القطارات أو الحلوى المثلجة. وهو ما يدفع مـــن يستخدمون تطبيق «يوتيوب كيدز» إلى اختيار مقاطع تعرض مفاهيم مألوفة بالنسبة لهم، سواءً كانت شخصية كارتونية، أو موضوعًا أثار اهتمامهم بالفعل.

هل «يوتيوب كيدز» منصة تعليمية قيِّمة؟

حول هذه النقطة يختلف الباحثون. لا شك أن الأمر يعتمد بقدرٍ ما على محتوى المقاطع نفسها وعلى تدخل راعي الطفل ليساعد فـــي وضع المحتوى الظاهر على الشاشة فـــي سياقه. لكن طريقة عمل الخوارزمية تثير التساؤلات.

نينا نايت، متحدثة باسم يوتيوب، قالت «إن تطبيق يوتيوب كيدز، بخلاف التلفاز التقليدي حيث يتم اختيار المحتوى لك فـــي أوقاتٍ معينة، يُقدِّم لكل طفلٍ وعائلته المزيد مـــن المحتوى الذي يحبوه فـــي أي وقـــتٍ يُريدون، وهو أمرٌ فريد جدًا».

هل يعني هذا أن الطفل، إن شاهد مجموعة مـــن المقاطع منخفضة الجودة تعليميًا، يكون قد علِق فـــي فقاعة ترشيحية مـــن المحتوى منخفض الجودة، إذ تعمل الخوارزمية على ترشيح المزيد مـــن المقاطع منخفضة الجودة للطفل مستندة إلى تاريخ المشاهدات والبحث، وتستبعد باقي أنواع المحتوى؟

لا ينطبق هذا على مستخدمي التطبيق وفقط، بل على صناع المحتوى أيضًا، الذين يتوجب عليهم الالتزام بالمحتوى واسع الانتشار الذي حددته الخوارزمية نفسها، وانحرافهم عنه يأتي على حساب الكثير مـــن المشاهدات. تقول ناتالي كلارك، أحد مؤسسي قناةٍ واسعة الانتشار على يوتيوب تحمل اسم Toys Unlimited «عليك أن تفعل ما تريده منك الخوارزمية… بصراحة، يوتيوب ينتقي لك المحتوى. الصاعد الآن هو مقاطع Paw Patrol، لذا سنصنع الكثير مـــن مقاطع Paw Patrol».

اقرأ أيضًا: «فوربس»: قائمة أغنى وأشهر 10 مهووسين بالألعاب على «يوتيوب»

تجدر الإشارة أيضًا إلى أن محتوى التطبيق لا يخضع لتدخلٍ مـــن جانب يوتيوب، فيما عدا رقابة لاحقة تستبعد المحتوى غير اللائق. وهو ما يؤدي أحيانًا إلى نفاذ بعض المقاطع غير المناسبة للأطفال مـــن ثغرات الخوارزمية، كما حدث العام الماضي حين قدم التطبيق للأطفال مقطعًا يُظهر شخصيات كارتونية شبيهة بميكي ماوس تُطلق النار على رؤوس بعضها البعض.

ينتهي التقرير إلى أن الآثار طويلة المدى الناشئة عن إتاحة الهواتف والأجهزة اللوحية للأطفال غامضة، ومتداخلة مع كل تعقيدات العيش فـــي عالمٍ متشابكٍ مـــن المحتوى المُتاح حسب الطلب. تتساءل ساندرا كالفير، مديرة مركز وسائط الأطفال الرقمية بجامعة جورج تاون، عن تأثير النشأة فـــي عصر الإنترنت المحمول على تفكير الأطفال فـــي فن السرد القصصي. «فـــي عصر التفاعلية، لم يعُد الأمر متعلقًا باستهلاك ما يصنعه الآخرون وفقط، بل بـــأن تصنع محتواك الخاص».

المصدر : ساسة بوست