استغلال الغاز الصخري.. المعركة القادمة بين الشعب والنظام في الجزائر
استغلال الغاز الصخري.. المعركة القادمة بين الشعب والنظام في الجزائر

منذ إعادة تعيينه خلفًا لعبد المجيد تبون، دأب الوزير الأول الجزائري «أحمد أويحيى»  مـــن خلال استراتيجية ومخطط عمل حكومته على الدخول فـــي صراعٍ مع الشعب، بدايةً مـــن إلغاء القرارات الجريئة التي اتخذها سلفه تبون على رأس الحكومة، مرورًا بقرار طبع النقود وحتمية اللجوء للتمويل غير التقليدي، ومراجعة قانون المحروقات، وفرض ضريبة على الثروة للمرة الأولى، وصولًا إلى إِفْتَتَحَ ملف استغلال الغاز الصخري، الذي شكل محور احتجاج كبير بعد طرحه ســـابقًا فـــي عهد الوزير الأول الأسبق «عبد المالك سلال»، والذي قوبل باحتجاجات كبيرة أدت إلى تجميده، ومع إعلان الحكومة عن نيتها استغلال الغاز الصخري؛ باعتباره حلًا بديلًا للأزمة الاقتصادية التي تعصف بالجزائر، تصاعدت حدة الحراك فـــي أوساط الرافضين لهذا المشروع، فهل سيكون الغاز الصخري المعركة القادمة أوضح النظام والشعب فـــي الجزائر؟

الجنوب الجزائري يسبح فوق 20 تريليون متر مكعب مـــن الغاز الصخري

مازال الجدل قائمًا بخصوص قرار الحكومة الجزائرية إستئناف استغلال الغاز الصخري فـــي الجزائر التي تتوفر حسب دراسات أمريكية على 20 تريليون متر مكعب مـــن الغاز الصخري وعلى 7.5 مليار برميل مـــن النفط الصخري الذي يمكن تقنيًا استغلاله، وهذا يمثّل موارد جديدة ضخمة لبلد يتحرَّق لتنويع قطاع الطاقة فيه، جعلها تحتلّ المرتبة الثالثة عالميًّا فيما يخص الموارد القابلة للاستخراج تقنيًا بعد الصين والأرجنتين، وفي ظلّ الأزمة الاقتصادية الخانقة للجزائر، لم تجد الحكومة حلًا ينقذها مـــن الإفلاس غير التوجه إلى استغلال مواردها الباطنية، والتي شكل الغاز الصخري أحد أهم تلك الموارد.

قبل سنوات مـــن ذلك وفي عزّ انتعاش الاقتصاد الجزائري نتيجة ارتفاع أسعار النفط فـــي الفترة ما أوضح سنة 2005 وسنة 2008 عمدت الجزائر على مسحٍ شامل لثرواتها الباطنية؛ لتبدأ عمليات الاستكشاف التي تولتها شركة سوناطراك بمعية شركات الخدمات الأمريكية العاملة فـــي الجزائر، وقد تم إنجاز دراسات حول مخزون الغاز الصخري فـــي الجزائر، وقد عملت شركة «سوناطراك» سنة 2009 على توثيق قاعدة بياناتها الخاصة بالغاز الصخري مـــن خلال اقتناء بيانات إضافية ساعدتها فـــي تقييم حجم احتياطي الغاز الصخري، لتشرع الشركة انطلاقًا مـــن سنة 2013 إلى مرحلة حفر الآبار النموذجية للتعرف على قدرات الإنتاج ونمط الحفر الذي ينبغي القيام به، وإعداد التقييم الاقتصادي للمشروع، فـــي خطوة قالت الحكومة عنها إنّها استشرافية، وأنّ مردها هو تقدير الثروة الباطنية للجزائر؛ لكي لا يتفاجأ أحدٌ بعد سنوات مـــن الآن، لتصبح الجزائر رسميًا أول دولة فـــي شمال إفريقيا تشرع فـــي عمليات التنقيب والحفر لاستكشاف الغاز الصخري.

وذلك بعد أن وافق مجلس الوزراء فـــي شهر ماي ( أيار) 2014 على الشروع فـــي تطبيق قانون المحروقات الجديد الذي يسمح باستكشاف واستغلال الغاز الصخري، ووافق القانون على حفر عدة آبار خلال الـ 12 سنة المقبلة، كمرحلة تمهيدية لمعرفة القدرات الباطنية للجزائر فـــي هذا المجال فـــي آفاق سنة 2026، لتعلن شركة سوناطراك الجزائرية عن حفر أول بئر للغاز الصخري بحوض أحنات بعين صالح (أقصى جنوب  الجزائر) فـــي ديسمبر (كانون الأول) مـــن سنة 2014 ، ليعقبه تجارب حفرٍ أخرى وأبارٌ جديدة فـــي   كلٍ مـــن المنيعة ومعسكر وغرداية، مبشرةً بـــأن الباطن الجزائري يحتوي على كنزٍ عظيم،  لتضع على أثره شركة سونطراك خطةً للبدء فـــي الاستغلال التجاري للغاز الصخري فـــي أفق سنة 2022، لكن التكلفة الباهظة لإنشاء هذه الآبار والضغط الشعبي الرافض لهذا المشروع أجبر حكومة سلال على تجميده.

مظاهرات شعبية رافضة

عمدت الحكومة فـــي   الجزائر على العمل بسرية كبيرة فـــي مشروعها لاستخراج الغاز الصخري فـــي   الصحراء الجزائرية خشية مواجهة الشعب الرافض لهذا المشروع؛ كونه يضرّ بالثروة المائية الباطنية للجزائر، فبمجرد خروج تسريباتٍ عن عزم الحكومة البدء فـــي التنقيب عن الغاز الصخري فـــي   مدينة عين صالح، حتى خرج المتظاهرون فـــي الجنوب رفضَا لهذا المشروع، وعرفت مدينة عين صالح بالجنوب الجزائري مطلع سنة 2015  إعتصامًا مفتوحًا لسكان المدينة أستمرّ أكثر مـــن ثلاثة أشهر للمطالبة بإيقاف مشروع التنقيب عن الغاز الصخري فـــي المدينة، وتخلل الاعتصام تضامنًا كبيرًا مـــن الجزائريين الذين نظموا وقفات احتجاجية فـــي   معظم المحافظات الجزائرية، كما تضامن رجل الأعمال  الجزائري والمرشّح السابق  للرئاسة «رشيد نكاز» مع الاعتصام بالسير مشيًا على الأقدام مـــن العاصمة الجزائر حتى مدينة عين صالح.

 

ووسط الضغط الذي  مارسه سكان الجنوب على الحكومة لإجبارها على توقيف مخططها باستغلال الغاز الصخري، أمرت الحكومة والجيش الجزائري قوات الأمـــن باقتحام ميدان الاعتصام فـــي عين صالح و حرق خيّم المعتصمين لتستمرّ بعدها الوقفات والمسيرات المناهضة للغاز الصخري فـــي ربوع الجزائر، ويتحوّل مركز الإحتجاج مـــن مدينة عين صالح؛ إلى محافظة ورقلة (600 كلم جنوب شرق العاصمة) لتشهد هذه الأخيرة أكبر مسيرة فـــي الجنوب حضرها الآلاف مـــن الجزائريين، واعتبرت المسيرة الكبرى تلك أحد العوامل التي أثرت على الحكومة، إضافة إلى توجه الناشطين المناهضين لاستخراج الغاز الصخري بمناشداتهم إلى رئيس الجمهورية، لترضخ الحكومة الجزائرية للاحتجاجات المناهضة لمشروع استغلال الغاز الصخري، ويعلن بوتفليقة أن عمليات الحفر التجريبية لاستخراج الغاز الصخري فـــي منطقة عين صالح ستنتهي فـــي القريب العاجل، وأوضح بوتفليقة، خلال ترؤسه مجلسًا وزاريًا فـــي مارس (أذار) مـــن سنة 2015، أن استغلال الغاز الصخري ليس واردًا فـــي الوقت الراهن، واصفًا الاحتجاجات المناهضة للغاز الصخري فـــي مناطق الجنوب بأنه مجرّد سوء فهم باعتبار أن عمليات الحفر الحالية تصنّف ضمن التجارب الأولية، ولم يتمّ تفعيلها بشكل رسمي.

وعن أسباب رفض  الجزائريين لمشروع الغاز الصخري قال البروفيسير الجزائري فـــي جامعة ورقلة «سقني لعجال»: أن الغاز الصخري يتواجد فـــي كلٍّ مـــن  فرنسا والصين التي بها أكبر احتياطي فـــي العالم للغاز الصخري، ولم تقم أي منهما باستغلاله نظرًا لخطورة التي  ترافق عملية استخراجه، وهذا ما يجعل الجزائريين يرفضون أن تكون الصحراء الجزائرية مركزًا للتجارب، سواء مـــن طرف شركة توتال الفرنسية أو الشركات الأمريكية، فأعراض رقان النووية التي خلفتها التجارب النووية الفرنسية وقـــت الاستعمار مازالت إلى غاية اليوم. كما يجب أن يعلم الجزائريون أن تقنية التحكم فـــي استخراج الغاز الصخري ما زالت غير متوفرة فـــي العالم كله، ومن ادعى أن تقنية التحكم متوفرة فهو كاذب.

مـــن جهته قال الناشط السياسي الجزائري «فاتح بن حمو» فـــي حديثه مع «ساسة بوست» أنّ الرفض الشعبي لمشروع الغاز الصخري يأتي فـــي إطـــار خوف الجزائريين مـــن مستقبل الأجيال القادمة، إضافة إلى تخوفهم مـــن نضوب الثروة المائية التي بات استخراج الغاز الصخري المهدد الأول لها، وعن قدرة الحكومة فـــي التحكم فـــي تقنية استخراج الغاز الصخري، قال ابن حمو أن الحكومة التي  تستورد القمح والشعير، ولا يمكنها التحكم فـــي أسعار المواد الغذائية، لا يمكنها ألبتة التحكم فـــي التسربات المرافقة لاستخراج الغاز الصخري، كما أردف بن حمو قائلًا: الشعب الجزائري لم يعد يثق فـــي   الحكومة فـــي مسألة استخراج الغاز الصخري، وحراكه سيتواصل حتى يسقط المشروع مـــن جديد.

بالرغمّ مـــن المخاطر والتكلفة الباهظة للاستخراج.. الحكومة مصرة

أثناء الحملة الانتخابية الماضية لتشريعيات 2017، قال الأمين العام لحزب التجمّع الديمقراطي (أحد الأحزاب الحاكمة) والوزير الأوّل الحالي «أحمد أويحي» أن برنامج حزبه للانتخابات البرلمانية يتضمن فـــي شقه الاقتصادي بمقترحات حول بدائل طاقوية عن النفط، ومن أوضح هذه البدائل تلك هو استغلال الغاز الصخري، الذي أثار موجة احتجاجات مـــن طرف سكان الجنوب وتمّ على أثر تلك الاحتجاجات  تجميده مـــن طرف بوتفليقة.

فور  تعيينه وزيرًا أولًا قام أويحيى بعرض مخطط حكومته أمام البرلمان، وكان تعديل قانون المحروقات، والشروع فـــي استغلال الغاز الصخري أبرز ما ميّز مخطط عمل حكومة أويحيى، فبالرغم مـــن رفض الشعب الجزائري للمشروع، والتكلفة الباهظة التي  ترافق إنجازه، إلا أن أويحيى يبدو مصرًا على السير قدمًا فـــي مخططه. عن مخطط عمل الحكومة تقول النائب فـــي البرلمان الجزائري عن الاتحاد مـــن أجل النهضة والبناء والتنمية «مسعود عمراوي» أنّ لجوء الحكومة إلى استغلال الغاز الصخري ليس هو الحل، وإنّ اللجوء إليه دليل على إفلاس الخزينة الجزائرية، ويقول مسعود إنّ المعارضة الجزائرية ترى أنّ هنالك حلولًا أخرى للأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد غير اللجوء إلى ملف الغاز الصخري.

مـــن جهته قال  النائب عن جبهة المستقبل «محمد مقران» انّ استخراج الغاز الصخري شرٌّ لابد منه. ودافع نوّاب الأحزاب الحاكمة عن اقتراح الوزير الأول بالعودة إلى مشروع الغاز الصخري لحلّ الأزمة المالية العاصفة، لتقول البرلمانية عن حزب التجمع الديمقراطي «فوزية بن سحنون» أنّ العودة لاستغلال الغاز الصخري ضرورة للخروج مـــن الأزمة، وأن الثروات التي تزخر بها الجزائر يجب استغلالها، وعن المخاطر المرافقة لاستخراج الغاز الصخري قالت بن سحنون أن جميع الموارد الطبيعية يرافق استخراجها مخاطر، وليس  الغاز الصخري وحده ما يشكل خطرًاوكان الوزير الأول الحالي قد قال فـــي عرض مخطط حكومته أمام البرلمان: إن الجزائر تمرّ حاليًّا بأزمة اقتصادية خانقة، وأنّ الخزينة العمومية على حافة الإفلاس، واّنه يفكر فـــي الطريقة التي سيدفع بها أجور الموظفين لشهر نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، واقترح فـــي   مخطط حكومته لإنقاذ الوضع كما قال تعديل قانون المحروقات بما يسمح باستغلال جميع الموارد الباطنية للجزائر، وأكدّ فـــي أولى زيارة يقوم بها منذ توليه رئاسة الحكومة مـــن وهران أين زار المنطقة الصناعية أرزيو أن حكومته ماضية قدمًا فـــي   عزمها لاستئناف استغلال الغاز الصخري؛ لأنه البديل الوحيد – حسبه – للخروج مـــن الأزمة.

معركة جديدة أوضح الشعب والحكومة.. فمن سينتصر؟

بعزمها الشروع فـــي إنتاج الغاز الصخري، تكون الحكومة الجزائرية قد فتحت معركة أخرى مع الشعب؛ فبعد أن فشلت حكومة سلال السابقة فـــي مواصلة المشروع سنة 2015، بعد أن اكتسحت المظاهرات أرجاء  الجزائر، ولم يستطع حتى المسؤولين زيارة بؤر الاحتجاج؛ مما استدعى تدخل الـــرئيس الجزائري بإعلانه تجميد المشروع، تعمل الحكومة الجزائرية اليوم على التخفيف مـــن حدة الاحتقان الذي ولّد إصرار أويحي على تفعيل المشروع هذا، وذلك عبر إصدار بيانٍ مـــن الوزارة الأولى لتنوير الرأي العام حول  خطوة الحكومة، حيث ذكـــرت الوزارة الأولى أن استغلال الغاز الصخري لا يكون إلا بعد استشارة سكّان الجنوب، ومتهمةً رافضي المشروع بالمحرضين، مـــن جهته قال رئيس حركة مجتمع السلم السابق «عبد الرزاق مقري» أنّ الجزائر لا تملك تكنولوجية استخراج الغاز الصخري، أي أنهم مع تدمير البيئة يريدون التفريط فـــي السيادة، مـــن جهتها اعتبرت زعيمة حزب العمال «لويزة حنون» مخطط أويحيى لاستغلال الغاز الصخري خطرًا على الجزائر، وعرف مشروع استخراج الغاز الصخري رفضًا شعبيًّا كبيرًا؛ ما قد يفتح بابًا جديدًا فـــي   صراع السلطة مع الشعب.

 

عبد القادر بن مسعود

المصدر : الجزائر تايمز